الشيخ محمد جواد البلاغي

30

الهدى إلى دين المصطفى

( ولنستطرد الكلام في الحذف ) ولا يخفى عليك أنه قد شاع في كلام العرب في الشعر والنثر اكتفاء بدلالة المقام ، وتوصلا في بعض الموارد إلى غرض ونكتة لا تحصل بدونه ، فيخرج الكلام به كالذهب المصفى والجوهر المجلو ، وقد جروا في الحذف على أنحاء : ( أحدهما ) أنهم التزموا بالحذف فيما إذا كانت دلالة المقام لازمة ، وجعله النحويون من الحذف الواجب في العربية ، فمن ذلك خبر المبتدأ قبل جواب ( لو ) نحو ( لولا البعد لزرتك ) وقبل جواب القسم الصريح نحو ( لعمري لأفعلن ) ولا يحتاج هذا إلى ذكر الشواهد ، وكذا في نحو ( اخطب ما يكون الأمير قائما ) و ( ضربي زيدا قائما ) و ( كل رجل وضيعته ) ومن هذا النحو ما يلتزم النحويون بتقديره في الظرف والجار والمجرور المستقرين . ( وثانيها ) أنهم اطرد عندهم الحذف في موارد جعل لها النحويون ضابطا منها حذف الضمير المنصوب أو المجرور العائد على الموصول ، ومنها حذف الجر قبل ( أن ) المصدرية . ( وثالثها ) ما لا ينحصر بعنوان عام إلا بدلالة المقام وهو كثير لا يحصى فلنذكر من ذلك شيئا من شعر مشاهير الشعراء في العرب ممن طرقوا باب البلاغة وشهد لهم بالتقدم . قال امرؤ القيس في معلقته : فيا لك من ليل كأن نجومه * بأمراس كتان إلى صم جندل أي كأن نجومه شدت ، وقال طرفة بن العبد في معلقته يصف ذنب ناقته : فطورا به خلف الزميل وتارة * على حشف كالشن ذاو مجدد أي فطورا تضرب به . . وقال أيضا : ألا أيهذا اللائمي اشهد الوغى * وأن أحضر اللذات هل أنت مخلدي أي على أن اشهد . . وقال أيضا : وإن يلتقي الحي الجميع تلاقني * إلى ذروة البيت الكريم المصمد